محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السلام ، وقومه الذين آمنوا به من إظهارهم على فرعون وملئه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها يقول تعالى ذكره : وما نرى فرعون وملأه آية ، يعني : حجة لنا عليه بحقيقة ما يدعوه إليه رسولنا موسى إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها يقول : إلا التي نريه من ذلك أعظم في الحجة عليهم وأوكد من التي مضت قبلها من الآيات ، وأدل على صحة ما يأمره به موسى من توحيد الله . وقوله : وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يقول : وأنزلنا بهم العذاب ، وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين ، ونقص من الثمرات ، وبالجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يقول : ليرجعوا عن كفرهم بالله إلى توحيده وطاعته ، والتوبة مما هم عليه مقيمون من معاصيهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي يتوبون ، أو يذكرون . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ . . . هُمْ يَنْكُثُونَ يقول تعالى ذكره : وقال فرعون وملؤه لموسى : يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ وعنوا بقولهم " بما عهد عندك " : بعهده الذي عهد إليك أنا إن آمنا بك واتبعناك ، كشف عنا الرجز . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله عز وجل بِما عَهِدَ عِنْدَكَ قال لئن آمنا ليكشفن عنا العذاب . إن قال لنا قائل : وما وجه قيلهم يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك ، وكيف سموه ساحرا وهم يسألونه أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم العذاب ؟ قيل : إن الساحر كان عندهم معناه : العالم ، ولم يكن السحر عندهم ذما ، وإنما دعوه بهذا الاسم ، لأن معناه عندهم كان : يا أيها العالم . وقوله : إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ يقول : قالوا : إنا لمتبعوك فمصدقوك فيما جئتنا به ، وموحدو الله فمبصرو سبيل الرشاد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ قال : قالوا يا موسى : ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك . وقوله : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يقول تعالى ذكره : فلما رفعنا عنهم العذاب الذي أنزلنا بهم ، الذي وعدوا أنهم إن كشف عنهم اهتدوا لسبيل الحق ، إذا هم بعد كشفنا ذلك عنهم ينكثون العهد الذي عاهدونا : يقول : يغدرون ويصرون على ضلالهم ، ويتمادون في غيهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي يغدرون . القول في تأويل قوله تعالى : وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يقول تعالى ذكره : وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ من القبط ، ف قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ يعنى بقوله : مِنْ تَحْتِي من بين يدي في الجنان . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي قال : كانت لهم جنات وأنهار ماء . وقوله : أَ فَلا تُبْصِرُونَ يقول : أفلا تبصرون أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير ، وما فيه موسى من الفقر وعي اللسان ، افتخر بملكه مصر عدو الله ، وما قد مكن له من الدنيا استدراجا من الله له ، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله ، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه ، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجا على جهلة قومه بأن موسى عليه السلام لو كان محقا فيما يأتي به من الآيات والعبر ، ولم يكن ذلك سحرا ، لأكسب نفسه من الملك والنعمة ، مثل الذي هو فيه من ذلك جهلا بالله واغترارا منه بإملائه إياه . القول